الشنقيطي

19

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال « إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك ثمّ يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث اللّه ملكا فيؤمر بأربع : برزقه وأجله وشقي أو سعيد » « 1 » الحديث ، وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل ، وهو مذكور في روايات أخر صحيحة معروفة . وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث المذكور واللّه أعلم . وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف : وهو أن يقال : ما وجه الإفراد في قوله يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا مع أن المعنى نخرجكم أطفالا . وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة . منها ما ذكره ابن جرير الطبري قال : ووحد الطفل وهو صفة للجمع ، لأنه مصدر مثل عدل وزور وتبعه غيره في ذلك . ومنها قول من قال نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أي نخرج كل واحد منكم طفلا ، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادا به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية ، وتعريفه بالألف واللام ، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) [ القمر : 54 ] أي وأنهار بدليل قوله تعالى فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] الآية وقوله وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) [ الفرقان : 74 ] أي أئمة وقوله تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [ النساء : 4 ] الآية أي أنفسا وقوله تعالى مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) [ المؤمنون : 67 ] أي سامرين وقوله تعالى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ آل عمران : 84 ] أي بينهم وقوله تعالى وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) [ النساء : 69 ] أي رفقاء وقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ المائدة : 6 ] أي جنبين أو أجنابا وقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ( 4 ) [ التحريم : 4 ] أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري : وكان بنو فزارة شرّ عمّ * وكنت لهم كشرّ بني الأخينا يعني شر أعمام : وقول قعنب ابن أم صاحب : ما بال قوم صديق ثم ليس لهم * دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا يعني ما بال قوم أصدقاء : وقول جرير : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأعين أعداء وهن صديق

--> ( 1 ) . أخرجه البخاري في القدر حديث 6594 ، وبدء الخلق حديث 3208 ، وأحاديث الأنبياء حديث 3332 ، والتوحيد حديث 7454 .